يزعم المسلمون أن المسيح علم التوحيد، مشيرين إلى ما قاله في مرقس 12: 29. فهل هذا هو ما قصده المسيح بـ "التوحيد"؟ في الواقع، يجيب المسيح كاتبًا يسأله عن الوصية الأكثر أهمية. فيرد المسيح مقتبسًا من سورة التثنية 6: 4-5: "اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا هو الرب الواحد. أحب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك." هذه الآية، التي تشكل محور الإيمان اليهودي، تؤكد على وحدانية الله، وهي مبدأ أساسي من مبادئ التوحيد.
مصطلح "إحاد" في الشماع (تثنية 6: 4):
الكلمة العبرية المترجمة إلى "واحد" في هذه الآية هي "إحد" (אֶחָד). غالبًا ما تشير كلمة "إحد" إلى وحدة مركبة بدلاً من مفردة مطلقة. وهذا واضح في سياقات مختلفة في جميع أنحاء الكتاب المقدس العبري:
1. تكوين 1: 5 – "وكان مساء وكان صباح يوما واحدا" هنا، تصف كلمة "إحد" يومًا يتكون من جزأين متميزين، المساء والصباح، ومع ذلك يُعتبر واحدًا.
2. تكوين 2: 24 – "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً." في هذا السياق، تشير كلمة "إحد" إلى اتحاد فردين متميزين، زوج وزوجة، في كيان واحد بالزواج. وهذا الاستخدام لكلمة "إحد" يشير بوضوح إلى التعددية الموحدة.
3. خروج 24: 3 – "فجاء موسى وأخبر الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام. فأجاب جميع الشعب بصوت واحد وقالوا: كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعلها." هنا، يتم استخدام كلمة "إيحد" لوصف الاستجابة الموحدة للجمهور، مما يشير مرة أخرى إلى الوحدة الجماعية.
بالنظر إلى هذه الأمثلة، فإن كلمة "أحد" في تثنية 6: 4 لا تشير بالضرورة إلى كيان مفرد لا يتجزأ، ولكنها يمكن أن تشمل تعقيدًا موحدًا، وهو ما يتفق مع الفهم المسيحي للثالوث - ثلاثة أشخاص متميزين (الآب والابن والروح القدس) وهم إله واحد.
التباين مع "ياشيد":
اللغة العبرية لديها كلمة أخرى، وهي "ياخيد" (יָחִיד)، والتي تنقل فكرة التفرد المطلق أو التفرد. وهي تستخدم في السياقات التي تتطلب التأكيد على الحصرية أو الفردية:
1. تكوين 22: 2 – "ثم قال الله خذ ابنك وحيدك إسحق الذي تحبه واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك." هنا، يصف "ياحيشد" إسحاق بأنه الابن الوحيد لإبراهيم، مؤكداً على مكانته الفريدة.
2. المزمور 22: 20 – "أنقذ نفسي من السيف، وحبيبتي من يد الكلب." إن كلمة "عزيزي" هنا هي "ياشيد"، وهي تدل على شيء مفرد وعزيز.
لو كان المقصود من الشماع أن يعبر عن تفرد الله المطلق، لكان من الممكن استخدام كلمة "ياخيد". ولكن اختيار كلمة "إيحد" يسمح بفهم لاهوتي لوحدة الله بما يتوافق مع العقيدة المسيحية في التثليث.
وجهة نظر العهد الجديد حول وحدانية الله:
ويؤكد العهد الجديد على وحدانية الله مع الكشف عن تعقيد طبيعته:
1. متى 28: 19 – "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس." هذه الآية، وهي جزء من الوصية العظمى، تحدد بوضوح الأشخاص الثلاثة المتميزين في الثالوث داخل "اسم" واحد (سلطة) الله.
2. يوحنا 10: 30 – يقول يسوع، "أنا والآب واحد." الكلمة اليونانية التي تعني "واحد" هنا هي "hen" (ἕν)، والتي تشير إلى وحدة الجوهر أو الطبيعة، وليس مجرد الاتفاق في الغرض. وهذا البيان يتماشى مع فهم "إيحد" كوحدة من أشخاص متعددين.
3. 2 كورنثوس 13: 14 – "نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم." إن بركة بولس تلخص طبيعة الله الثلاثية، وتشير إلى الأشخاص الثلاثة المتميزين الذين يشكلون معًا الإله الواحد.
4. أفسس 4: 4-6 – "إن هناك جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا، كما دعيتم إلى رجاء واحد، رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله واحد وأب للجميع، الذي على الجميع ومن خلال الجميع وفي الجميع." يؤكد بولس على وحدانية الله بينما يشير إلى الأدوار المتميزة للروح القدس، والرب (يسوع)، والآب.
التداعيات اللاهوتية:
إن العقيدة المسيحية في التثليث، وإن لم تذكر صراحة في آية واحدة، مستمدة من الشهادة الشاملة للكتاب المقدس، سواء العهد القديم أو العهد الجديد. ويُفهَم إعلان شمع عن الله باعتباره "أحد" في هذا الضوء على أنه يؤكد أن الله واحد في الجوهر ولكنه تجلى في ثلاثة أشخاص متميزين. وهذا المفهوم ليس تناقضًا مع التوحيد بل كشفًا أكثر اكتمالاً عن الوحدة المعقدة التي يستوعبها "أحد".
خاتمة: في مرقس 12: 29، عندما استشهد يسوع بسورة الشماع، أعاد التأكيد على الإيمان اليهودي الأساسي بإله واحد. ومع ذلك، باستخدام مصطلح "إحد" (كما ورد في تثنية 6: 4)، يترك الكتاب المقدس مجالاً للكشف اللاحق عن طبيعة الله الثلاثية - وحدة مفردة ومركبة. وبالتالي فإن التفسير المسيحي ينسجم بين تأكيد العهد القديم على وحدة الله والكشف عن الثالوث في العهد الجديد.