المقدمة
يُعنى هذا البحث بدراسة "ملك اليمين" في الفقه الإسلامي وأساسها القرآني، وتعريفها عند علماء المسلمين، وما ترتب عليها من أحكام فقهية مفصّلة في باب العورة والنظر والاستمتاع، اعتماداً على مصادر إسلامية معتبرة: كتب التفسير، وأمهات كتب الحديث ومصنفاتها، وكتب الفقه المقارن، وفتاوى المواقع الإسلامية المعاصرة. والمنهج المتبع هنا هو ذاته المتبع في موقعنا: عرض النصوص والأحكام كما وردت في مصادرها، ثم عرض ما قد يثيره ذلك من تساؤلات، ثم عرض الرد الذي يقدمه علماء المسلمين أنفسهم، تحقيقاً للتوازن العلمي.
تعريف ملك اليمين
وردت لفظة "ما ملكت أيمانكم" في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: 3)، وفي سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون: 5-6).
يعرّف موقع "إسلام ويب" ملك اليمين بقوله: "وملك اليمين: هم الأرقاء المملوكون لمن ملكهم عبيداً، ذكوراً أو إناثاً... والمقصود بقوله (أو ما ملكت أيمانهم): النساء من الرقيق، وهن الإماء، إذ يحق لمالكهن أن يطأهن من غير عقد زواج، ولا شهود، ولا مهر، فهن لسن أزواجاً، فإذا جامعهن سُمِّين سراري، جمع سُرِّية".
وجاء في الفتوى رقم 18851 على الموقع ذاته تحديد لأسباب الرق الثلاثة عند فقهاء المسلمين: الأسر والسبي من الأعداء الكفار، وولادة الأمة من غير سيدها فيتبع الولد أمه في الرق، والشراء ممن يملك الرقيق ملكاً صحيحاً معترفاً به شرعاً. وتؤكد الفتوى أن "الأصل في الإنسان الحرية والرق طارئ"، وأن الرقيق "يوافق الأحرار في أغلب الأحكام باستثناء بعض الأحكام التي يختص بها"، وأن "الاستمتاع بالإماء لا يكون مشروعاً إلا إذا كان في ملك تام للمستمتع، أو نكاح صحيح".
بحسب هذه التعريفات، فإن ملك اليمين تتيح للمالك (رجلاً كان أم امرأة بحسب بعض الفقهاء بالنسبة للمملوك الذكر) حيازة إنسان آخر عبر السبي أو الشراء أو الميلاد، مع إباحة الاستمتاع الجنسي بالإماء دون عقد زواج ولا شهود ولا مهر.
التمييز الفقهي بين عورة الحرة والأمة
فرّق جمهور الفقهاء، الشافعية والمالكية وأكثر الحنابلة والحنفية، بين عورة المرأة الحرة وعورة الأَمَة (المملوكة)، سواء في الصلاة أو في باب النظر. يقول الإمام النووي في المجموع، كما نقل ذلك عنه فقهاء متأخرون: "وعورة الرجل ما بين سرته وركبته، وكذا الأمة في الأصح، والحرة ما سوى الوجه والكفين". ونحو ذلك في زاد المستقنع للحجاوي وشرحه الممتع لابن عثيمين: "الأَمَة ولو بالغة... فعورتها من السرة إلى الركبة... وأما في باب النظر فقد ذكر الفقهاء أن عورة الأَمَة أيضاً ما بين السرة والركبة"، وفي المبسوط للسرخسي وتحفة الأحوذي ونيل الأوطار وعون المعبود ما يؤكد المعنى ذاته، ومنه ما رواه أبو داود: "إذا زوّج أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة".
وينقل شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى أن آية الحجاب في سورة الأحزاب ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خاصة بالحرائر دون الإماء، مستدلاً بأن النص خص الأزواج والبنات ونساء المؤمنين، ولم يذكر ملك اليمين، وأن ذلك يتفق مع ما ثبت في الصحيح من قصة صفية بنت حيي حين قيل: "إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه". ويستشهد ابن تيمية أيضاً بما كان عليه العمل في عهد عمر بن الخطاب: "والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء، كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي وخلفائه: أن الحرة تحتجب، والأمة تبرز. وكان عمر إذا رأى أَمَة مختمرة، ضربها، وقال: أتتشبهين بالحرائر؟".
شواهد تاريخية موثقة على الفصل بين الحرة والأمة
يروي أنس بن مالك، بحسب رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى (2/227) بإسناد وصفه الألباني في إرواء الغليل (6/204) بأنه "جيد"، وصححه البيهقي نفسه، أن إماء عمر بن الخطاب كن يخدمن في بيته بشعور مكشوفة، خلافاً لما كان يُفرض على الحرائر من التحجب، وهو ما يتسق مع القاعدة الفقهية المتقدمة القائلة إن الحجاب مختص بالحرائر.
كذلك ورد في مصنف عبد الرزاق الصنعاني والسنن الكبرى للبيهقي وإرواء الغليل للألباني (6/201، بإسناد وصفه الألباني بالصحيح) عدة روايات متقاربة عن نافع مولى ابن عمر، مفادها أن ابن عمر كان إذا أراد شراء جارية فحص جسدها بيده — يديه على عجزها، وبين ثدييها، وعلى ساقيها وبطنها، قبل إتمام الصفقة، وأنه فعل ذلك علناً في السوق أمام الناس دون اعتراض من الصحابة، بل روي عن علي بن أبي طالب قوله في هذا السياق: "لا حرمة لها، إنما وقفت لنساومها" (مصنف عبد الرزاق، كتاب المناسك، ج7 ص285).
اتساع نطاق الاسترقاق تاريخياً
يذكر ابن كثير في البداية والنهاية (ج10 ص222) أن هارون الرشيد كان له من الجواري (السراري) عدد ضخم، حتى قال بعضهم إنه كان في داره أربعة آلاف جارية. ويسجل المصدر نفسه أن حملات السبي في عهد الوليد بن عبد الملك بلغت مئات الآلاف من الرؤوس، حتى إن خُمس الغنائم وحده من سبايا موسى بن نصير بلغ أربعين ألف رأس، وهو ما وصفه ابن كثير بأنه "لم يُسمع في الإسلام بمثله".
كما يورد صحيح البخاري (كتاب النكاح، باب ما يحل من النساء وما يحرم) قول أنس بن مالك في تفسير آية النساء: "لا يرى بأساً أن ينزع الرجل جاريته من عبده"، أي أن للسيد الحق في فسخ العلاقة بين عبده وأَمَته إذا شاء الاستمتاع بها هو، بعد استبراء رحمها.
مسألة الأقارب المملوكات
يذكر ابن حزم في المحلى بالآثار (كتاب الحدود، مسألة حد الزنى) خلافاً فقهياً بين الإمام مالك وأبي حنيفة والثوري حول من يطأ قريبته إذا آلت إليه بملك اليمين (كابنة أخيه أو أخته، أو زوجة أبيه أو ابنه، أو أخته أو ابنته من الرضاعة) عالماً بقرابتها وبتحريمها عليه: فذهب مالك إلى إلحاق نسب الولد به وعدم إقامة الحد عليه مع التعزير، بينما ذهب أبو حنيفة والثوري إلى عدم الحد مطلقاً حتى في حال الزواج بهن، ما دام جاهلاً أو حتى عالماً في بعض التفصيلات، فيما ذهب ابن حزم نفسه إلى إقامة حد الزنى الكامل عليه. وهذا يدل على أن هذه المسألة بعينها كانت موضع خلاف فقهي حاد بين المذاهب، لا حكماً مجمعاً عليه.
نموذج من التحيز العرقي في بعض كتب التفسير
من النصوص اللافتة في هذا الباب ما أورده الآلوسي (ت. 1270هـ) في تفسيره روح المعاني، عند تفسيره لقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، إذ كتب: "والتعبير عنهن بـ(ما)... لأنهن يشبهن السلع بيعاً وشراءً، أو لأنهن لأنوثتهن المنبئة عن قلة عقولهن جاريات مجرى غير العقلاء، وهذا ظاهر فيما إذا كن من الجركس أو الروم أو نحوهم، فكيف إذا كن من الزنج والحبش وسائر السودان، فلعمري إنهن حينئذ إن لم يكن من نوع البهائم فما نوع البهائم منهن ببعيد".
هذا النص، بصريح لفظه، يقارن النساء السود من الإماء بالبهائم، وهو ما يستحق وقفة نقدية خاصة، سترد لاحقا أدناه.
خلاصة الاستدلال
استناداً إلى ما تقدم، يخلص هذا الطرح إلى أن الفقه الإسلامي الكلاسيكي أباح للمالك حيازة إنسان آخر، عبر السبي أو الشراء، والاستمتاع الجنسي به دون عقد ولا شهود ولا مهر، مع تمييز واضح بين النساء الحرائر والمملوكات في أحكام الحجاب والعورة والنظر، بل والفحص الجسدي المباشر قبل الشراء كما في حالة ابن عمر، وأن هذا النظام بلغ في بعض العصور أبعاداً واسعة النطاق (كما في حالة هارون الرشيد وحملات السبي الأموية)، وأن بعض المفسرين المعتبرين قد مزجوا هذه الأحكام بتحيز عرقي صريح تجاه الأفارقة السود، وهو ما يثير عند أصحاب هذا الاستدلال تساؤلات جدية حول التوافق بين هذا النظام وبين دعوى الرسالة الأخلاقية الشاملة للإسلام.
الموقف المقابل القراءة العلمية والتاريخية لنظام الرق في الإسلام
الأمانة العلمية تقتضي عرض ما يقوله الباحثون والفقهاء المسلمون أنفسهم، قدامى ومحدثين، عن هذه المسألة، وذلك من عدة زوايا. يلخص الباحثون والفقهاء المسلمون، قدامى ومحدثين، ردهم على هذا الاستدلال في خمس نقاط:
أولاً، الرق نظام سبق الإسلام ولم ينشئه، إذ كان راسخاً في شبه الجزيرة والعالم القديم قبل الإسلام بقرون (كما يوثقه برنارد لويس في Race and Slavery in the Middle East وكيسيا علي في Marriage and Slavery in Early Islam)، وتعامل معه الفقه المبكر بوصفه واقعاً يحتاج تنظيماً لا إنشاءً.
ثانياً، الاتجاه التشريعي كان تدريجياً نحو العتق والتضييق، كما تدل عليه نصوص جعل العتق كفارة، وحديث "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار".
ثالثاً، نص الآلوسي العنصري يواجه نقداً داخلياً حاداً من صميم النصوص المركزية، كخطبة حجة الوداع: "لا فضل لعربي على أعجمي... ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى"، وحديث توبيخ النبي لأبي ذر لتعييره بلالاً بأمه، وهو ما يجعل النص انعكاساً لتحيز اجتماعي في زمن مؤلفه (بغداد والشام، القرن التاسع عشر) لا لمضمون الآية ذاتها.
رابعاً، لم يكن السماح بفحص الجارية عند البيع محل اتفاق فقهي كامل، وربطه بعضهم بضرورة الكشف عن العيوب المؤثرة في العقد.
خامساً، أجمعت المؤسسات الفقهية الرسمية المعاصرة (الأزهر، رابطة العالم الإسلامي، مجمع الفقه الإسلامي الدولي) على تحريم الرق بجميع صوره اليوم، لزوال أسبابه الشرعية عملياً ولانعقاد إجماع دولي على منعه.
غير أن هذا الإجماع الرسمي لم يمنع إحياء هذه الأحكام بعينها في حالات موثقة: ففي عام 2014 استعبد تنظيم "داعش" آلاف النساء والفتيات الإيزيديات، مستشهداً صراحة بمصادر فقهية كلاسيكية مطابقة تقريباً لما ورد في هذه الدراسة، كما جاء في مقالته "إحياء الرق قبل الساعة" المنشورة في مجلة دابق. كما توثق تقارير دولية ومحلية استمرار أشكال من الرق الوراثي في موريتانيا وأجزاء من منطقة الساحل حتى اليوم. غير أن هذه الحالات وُصفت من قبل جمهور العلماء والمؤسسات الدينية الرسمية، بمن فيهم علماء موريتانيون أنفسهم، بأنها خروج على الإجماع الفقهي المعاصر وجريمة بحق القانون الدولي، لا تطبيقاً معترفاً به لحكم شرعي قائم.
الخلاصة:
يتبين مما تقدم أن النصوص الفقهية والتاريخية المستشهد بها في هذه الدراسة صحيحة السند في معظمها وموثقة في مصادرها، وأن الخلاف الحقيقي بين الطرفين ليس في وقوع هذه الأحكام والممارسات تاريخياً، بل في كيفية تقييمها: فبينما يرى أصحاب الاستدلال المعروض في القسم السابع أنها تكشف تناقضاً جوهرياً بين الفقه الإسلامي التاريخي ودعوى الرسالة الأخلاقية الشاملة، يرى الباحثون والفقهاء المسلمون أن هذه الأحكام ينبغي أن تُقرأ في سياقها التاريخي بوصفها تنظيماً تدريجياً لمؤسسة قائمة سلفاً لا إنشاءً لها، وأنها محكومة باتجاه عام نحو التحرير، وأن بعض ما ورد فيها (كنص الآلوسي العرقي) يمثل شذوذاً محل نقد داخلي لا امتداداً لمضمون النص القرآني، وأن الموقف الفقهي المعاصر الرسمي استقر على تحريم الرق بكل صوره. والقارئ مدعو، كعادة هذه السلسلة، إلى موازنة الأدلة من مصادرها الأصلية قبل تبني أي من الموقفين.
المصادر
- 1. إسلام ويب، مركز الفتوى، الفتوى رقم 18851 وموسوعة التفسير.
- 2. صحيح البخاري، كتاب النكاح.
- 3. سنن أبي داود.
- 4. السنن الكبرى للبيهقي.
- 5. مصنف عبد الرزاق الصنعاني.
- 6. إرواء الغليل، للألباني.
- 7. مجموع فتاوى ابن تيمية.
- 8. الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين.
- 9. المجموع شرح المهذب، للنووي.
- 10. المبسوط، للسرخسي.
- 11. المحلى بالآثار، لابن حزم.
- 12. البداية والنهاية، لابن كثير.
- 13. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي.
- 14. مسند الإمام أحمد بن حنبل.