هل نزل الوحي على محمد؟

المقدمة

تسجل المصادر الإسلامية المبكرة، من الصحاح الحديثية والسير والشمائل النبوية، وصفاً تفصيلياً لحالة محمد الجسدية والنفسية عند تلقيه ما يُعتقد أنه وحي. هذه الأوصاف، وهي أوصاف واردة في مصادر إسلامية معتبرة لا في مصادر خارجية معادية، تثير عند الباحث المدقق أسئلة جدية حول طبيعة هذه الظاهرة. هذه الدراسة تجمع هذه الروايات من مصادرها، ثم تعرض التساؤلات التي يثيرها بعض الباحثين حولها، ثم، تحقيقاً للمنهج العلمي المتبع في هذه السلسلة، تعرض الرد الذي قدّمه علماء المسلمين على هذه التساؤلات ذاتها.

الروايات الواردة في المصادر الإسلامية

1. جاء في مشكاة المصابيح، كتاب الفضائل والشمائل، باب بدء الوحي (نقلاً عن صحيحي البخاري ومسلم)، أن جبريل لما جاء محمداً في غار حراء رجع إلى خديجة "يرجف فؤاده"، فقال: "زملوني زملوني" فزملوه (غطوه) حتى ذهب عنه الروع. وذكرت مصادر السيرة أن خديجة سعت للتحقق من طبيعة ما رآه بعرضه على ورقة بن نوفل، ابن عمها، الذي كان على دراية بالكتب السابقة.

2. وفي صحيح البخاري (كتاب بدء الوحي) وصحيح مسلم، عن عائشة، أن الحارث بن هشام سأل رسول الله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول".

3. وفي الصحيحين أيضاً عن عائشة: "لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، ثم يفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً".

4. وروى مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، عن جابر بن عبد الله وعن عبيد الله بن كعب بن مالك، أن النبي كان "إذا نزل عليه الوحي أخذته بُرَحاء شديدة، وتربَّد له وجهه".

5. ذكر ابن إسحاق في سيرته (كما نقلها ابن هشام) أن محمداً كان يُرقى من العين قبل النبوة، وأن آمنة أمه رقته كذلك، كما نقل ذلك علي بن برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون). وفيها أيضاً أن النبي قال لخديجة إنه يسمع نداءً باسمه، وإنه يخشى أن يكون به مس من الجن، أو أن يكون قد أصابه الجنون، وأن ذلك كان يصحبه رعدة وإغماض عينين واحمرار في الوجه وصوت يشبه غطيط البَكْر من الإبل

6. وروي عن أبي هريرة في وصف مماثل، أن النبي كانت تستقبله الرعدة، ويتربد وجهه، ويغمض عينيه، ويصدر صوتاً يشبه صوت الفحل من الإبل.

7. وذكر بعض أهل الشمائل، نقلاً عن عمر بن الخطاب، أنه كان يُسمع عند وجهه دويٌّ كدويّ النحل عند نزول الوحي.

8. ونقل صاحب مرآة الكائنات (وهو من كتب التاريخ والسيرة المتأخرة) عن أبي هريرة أنهم كانوا يضعون الحناء على رأسه بسبب الصداع الذي كان يعتريه.

9. ونقل الحلبي في إنسان العيون عن زيد بن ثابت، كاتب الوحي، وصفاً لثقل جسد النبي حال نزول الوحي وهو راكب، حتى إن الناقة كانت تبرك تحته من شدة الثقل، وأن حاله كانت أشبه بحال المُغمى عليه.

10. وروى مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، عن أنس بن مالك حديث شق الصدر: أن جبريل أتى النبي وهو صبي يلعب مع الغلمان، فأخذه فشق قلبه واستخرج منه علقة، وقال: "هذا حظ الشيطان منك"، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده. وأن الغلمان أسرعوا إلى مرضعته يخبرونها أن محمداً قد قُتل، فوجدوه منتقع اللون.

11. وعلّق صاحب مشكاة المصابيح، نقلاً عن شراح الحديث، أن شق الصدر هذا وقع لمحمد مرات عدة: عند حليمة وهو ابن عشر سنين (أو أربع بحسب رواية أخرى)، وعند بدء الوحي في غار حراء، وليلة الإسراء والمعراج.

12. وذكر ابن هشام في السيرة النبوية أن زوج حليمة السعدية، مرضعة النبي، أشار عليها بإعادة الطفل إلى أهله خشية أن يكون قد أصابه مس من الجن، وأن حليمة سُئلت لاحقاً عن سبب ردّه إلى أمه فقالت إنها خشيت أن يكون به شيطان

التساؤلات المثارة حول هذه الروايات

استناداً إلى هذه المجموعة من الروايات، يطرح بعض الباحثين تساؤلات من النوع الآتي:

أولاً، ما الدليل القاطع على أن هذه الأعراض الجسدية كانت علامة على نزول وحي إلهي تحديداً، لا ظاهرة أخرى؟ فالتاريخ يسجل أعراضاً مشابهة (رعدة، إغماء جزئي، هلوسات سمعية أو بصرية) عند شخصيات تاريخية أخرى دون أن تُعد هذه الأعراض دليل نبوة.

ثانياً، هل تنطبق هذه الأعراض، الرعدة، فقدان الوعي الجزئي، التصبب عرقاً، تغير لون الوجه، الأصوات المسموعة قبيل النوبة (كصلصلة الجرس أو دوي النحل)، على وصف نوبات الصرع كما تصفه المصادر الطبية؟ فقد جاء في الموسوعة العربية الميسرة (ص 1122-1123) في تعريف الصرع أنه "داء عصبي يتميز بنوبات فجائية من فقدان الوعي، تقترن غالباً بالتشنج... وقد ينذر بها حس سابق وهمي غريب يعتري أحد الحواس كالبصر أو السمع، كأن يرى المريض شبحاً أو يسمع صوتاً". ويرى أصحاب هذا التساؤل تشابهاً لافتاً بين هذا الوصف الطبي والروايات الواردة أعلاه.

ثالثاً، أليس من اللافت أن حديث النبي نفسه، كما رواه مسلم (رقم 3895) عن أبي هريرة، يصف الجرس بأنه "مزامير الشيطان"؟ فكيف يصف النبي تجربته مع الوحي بأنها أشبه بصوت الجرس، بينما يصف الجرس ذاته في موضع آخر بأنه أداة شيطانية؟

الرد العلمي الإسلامي على هذه التساؤلات

الأمانة العلمية تقتضي عرض ما أجاب به علماء المسلمين، من شراح الحديث والمتكلمين والأطباء المسلمين المعاصرين، عن هذه التساؤلات بعينها، وهي أجوبة متعددة الأوجه:

1. تفاوت درجة صحة المصادر المستشهد بها. ينبه علماء الحديث إلى أن الروايات المذكورة أعلاه ليست كلها في درجة واحدة من الصحة. فبعضها في الصحيحين (كالرقم 2، 3، 4، 10) ويُعامَل بثقة عالية عند جمهور المحدثين، بينما بعضها الآخر (كقصة الرقية من العين، وقصة زوج حليمة وتخوفه من الجن، ورواية دوي النحل) واردة في كتب السيرة والشمائل المتأخرة (كإنسان العيون للحلبي، ومرآة الكائنات)، وهي مصادر تجمع الصحيح والضعيف والموضوع دون تمحيص دائماً بمعايير الجرح والتعديل التي يُخضَع لها الحديث النبوي في الصحاح. ومن ثم فإن معاملة كل هذه الروايات على قدم المساواة، من الناحية المنهجية، غير دقيقة عند من يفرّق بين طبقات المصادر الإسلامية.

2. تفسير "ثقل الوحي" في القرآن نفسه. يستشهد المفسرون بقوله تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 5)، وقوله في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (القيامة: 16)، ليبينوا أن ثقل الوحي وشدته على النبي مفهوم مقرر في النص القرآني ذاته، لا مجرد رواية حديثية منفردة، وأنه يُفهم عندهم بوصفه أثراً لمعاينة أمر يفوق الطاقة البشرية المعتادة (وهو ما يسميه علماء العقيدة "هول التجلي")، لا عرضاً مرضياً.

3. الاعتراض على تفسير "الصرع". يرد الأطباء والباحثون المسلمون على فرضية الصرع بعدة ملاحظات إكلينيكية: أن نوبات الصرع تتكرر عشوائياً بمعزل عن إرادة المصاب ولا ترتبط بمضمون فكري أو كلامي متماسك يعقبها، بينما كانت حالة النبي، بحسب الروايات ذاتها، تعقبها دوماً في الحال كلام منظم بالغ الفصاحة والاتساق البلاغي (وهو النص القرآني) لا هذيان أو تشوش. كما أن مرضى الصرع المزمن يُظهرون عادة، مع تكرر النوبات على مدى سنين (كما في حالة محمد التي استمرت نحو 23 سنة)، تدهوراً معرفياً أو تغيراً شخصياً ملحوظاً، وهو ما لا تسجله المصادر عن النبي الذي استمر في القيادة العسكرية والسياسية وإدارة شؤون معقدة طوال تلك الفترة. وقد نوقشت هذه الفرضية تحديداً من قبل مستشرقين (كألويس شبرنجر في القرن التاسع عشر) ورُدَّ عليها من قبل باحثين مسلمين وغربيين على حد سواء بمثل هذه الحجج الإكلينيكية.

4. توضيح المقصود بحديث "الجرس ومزامير الشيطان". يشرح الحديث علماء كالإمام النووي وابن حجر العسقلاني في شروحهما على صحيح مسلم بأن الحديث الذي يذم الجرس (رقم 3895) يتحدث عن الجرس المادي الذي كان يُعلَّق على أعناق الدواب أو يُستخدم كأداة موسيقية، وهو مذموم عند الفقهاء لأسباب تتعلق بالتطير أو باستخدامه أداة لهو، بينما تعبير "صلصلة الجرس" الوارد في وصف الوحي هو تشبيه بلاغي محض لجرس الصوت وشدة وقعه، لا وصف حرفي لأداة الجرس نفسها ولا حكم عليها؛ وهذا النوع من التشبيه البلاغي (تشبيه صوت بصوت من غير حكم على المشبَّه به) معروف في العربية ولا يستلزم عند أهل اللغة تطابق الحكمين

5. حديث شق الصدر وتأويله. يرى كثير من المفسرين وشراح الحديث أن رواية "هذا حظ الشيطان منك" لا تعني وجود جزء مادي فعلي من الشيطان داخل قلب النبي يُستأصل جراحياً، بل هي، عند من يقبل الحديث حرفياً، تطهير رمزي يمثل عصمته من كل ميل للشر قبل تكليفه بالنبوة؛ وقد ناقش بعض العلماء المتأخرين والمعاصرين، عقلانيين ومحدثين على السواء، صحة سند هذه الرواية ودلالتها المجازية أو الحرفية، دون أن يمثل ذلك موقفاً موحداً.

6. مقارنة الظاهرة بمثيلاتها في التراث الديني الأوسع. يلاحظ بعض الباحثين المقارنين أن ظاهرة الانفعال الجسدي الحاد المصاحب لتجربة الوحي أو الرؤيا ليست حكراً على السيرة النبوية الإسلامية، بل توجد لها نظائر موثقة في النصوص التي يعتمدها اليهود والمسيحيون أنفسهم: فالنبي دانيال يصف حاله عند الرؤيا بقوله: "ولم تبق فيّ قوة... وتحول رونقي فيّ إلى خراب ولم أضبط قوة" (دانيال 10: 8)، ويصف حزقيال سقوطه على وجهه عند الرؤيا (حزقيال 1: 28)، ويصف سفر أعمال الرسل سقوط شاول (بولس) أرضاً وعماه المؤقت عند رؤيته النور (أعمال 9: 3-4)، ويصف سفر الرؤيا سقوط يوحنا "كميت" عند رؤياه (رؤيا 1: 17). وعليه فإن حجة "لم يُسمع بنبي أُصيب بمثل هذا عند تلقي الوحي" تحتاج، من الناحية المقارنة، إلى مراجعة، وإن بقي السؤال عن التفسير الصحيح لهذا التشابه بين التقليدين مفتوحاً لكل باحث بحسب منظوره العقدي.

الخلاصة:

يتبين من هذا العرض أن الروايات الإسلامية تسجل بالفعل أعراضاً جسدية حادة رافقت تجربة محمد مع ما اعتُبر وحياً، وأن هذا ليس موضع خلاف في ذاته. الخلاف الحقيقي يكمن في التفسير: هل هذه الأعراض دليل على معاينة أمر يفوق الطاقة البشرية كما يراه علماء الإسلام التقليديون، أم هي مؤشر على حالة إكلينيكية معينة كما يذهب بعض الباحثين، مستأنسين بمقارنتها بتعريفات طبية حديثة؟ وقد بيّن هذا البحث أن كلا الطرفين يستدل بذات المصادر الإسلامية على استنتاجات متعارضة، وأن المسألة تتطلب من القارئ المدقق فحص درجة صحة كل رواية على حدة، والتمييز بين ما ورد في الصحاح وما ورد في كتب السيرة المتأخرة، قبل البناء على أي من هذه الاستنتاجات.

المصادر المرجعية

  1. 1. صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي.
  2. 2. صحيح مسلم، كتاب الإيمان وكتاب الجهاد.
  3. 3. مشكاة المصابيح، للتبريزي، كتاب الفضائل والشمائل.
  4. 4. السيرة النبوية، لابن هشام.
  5. 5. إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (السيرة الحلبية)، لعلي بن برهان الدين الحلبي.

6. الموسوعة العربية الميسرة، مادة "الصرع".

اترك رداً

arArabic

اكتشاف المزيد من Al-Haqiqa

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

تابع القراءة