هل الأنبياء معصومون في القرآن؟

المقدمة

يشيع بين كثير من المسلمين توجيه اتهام إلى الكتاب المقدس مفاده أنه يصوّر الأنبياء على أنهم بشر يخطئون، بينما العقيدة الإسلامية، بحسب هذا الطرح، تقرّر عصمة الأنبياء عن الخطأ. وينبغي التنبيه ابتداءً إلى أن الإيمان المسيحي لا ينكر هذه النقطة، بل يقرّها صراحة: فالكتاب المقدس يعلّم أن لا كامل إلا الله وحده، وأن جميع البشر خطاة، أنبياء كانوا أم غيرهم؛ وهذا ليس موضع خلاف. غير أن موضوع هذه الدراسة مختلف: هل صوّر القرآن نفسه الأنبياء على أنهم معصومون من الخطأ فعلاً، أم أن نصوصه هو ذاته تسجل لهم ذنوباً واستغفاراً وتوبة؟ هذا ما يحاول هذا البحث الموجز الإجابة عنه، اعتماداً حصرياً على نصوص القرآن ذاته لا على مصادر خارجية.

مفهوم العصمة في العقيدة الإسلامية

قبل عرض الأمثلة، تجدر الإشارة إلى أن مصطلح "العصمة" (اصطناعياً: حفظ النبي من الوقوع في الخطأ والذنب) هو مصطلح كلامي تطور عبر القرون الأولى للإسلام، ولم يكن موضع إجماع مطلق بين جميع المدارس العقدية على تفاصيله، وإن اتفقت المذاهب الإسلامية الكبرى على عصمة الأنبياء من الكفر ومن الكذب في التبليغ عن الله. أما مسألة وقوع الأنبياء في الذنوب الصغائر أو فيما يُعرف بـ"ترك الأولى"، فقد اختلف فيها المتكلمون والمفسرون اختلافاً معتبراً. وعليه فإن الأمثلة الآتية تُعرض بوصفها نصوصاً قرآنية صريحة، ثم يُنظر بعد ذلك فيما إذا كانت تشكل إشكالاً حقيقياً أمام العصمة بمعناها المطلق، أم أنها تدخل ضمن ما يسميه المفسرون أنفسهم بغير الذنب الكبير.

النصوص القرآنية

1. ذنب آدم

أول ذنب في تاريخ البشرية بحسب النص القرآني هو أكل آدم وزوجه من الشجرة المحرمة في الجنة، وقد عبّر القرآن عن هذا الفعل بأنه عصيان لأمر الرب وضلال عن الحق، فقال في سورة طه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (طه: 121). والدليل على أن هذا الفعل ذنب بمعناه الاصطلاحي هو توبة آدم منه، إذ قال في الآية التالية مباشرة: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (طه: 122)، وكذلك طلب آدم وزوجه المغفرة والرحمة خشية الخسران، كما في سورة الأعراف: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23). فالنص، بألفاظه الصريحة (عصيان، غواية، ظلم النفس، توبة، مغفرة)، يسجل لآدم، وهو نبي بحسب العقيدة الإسلامية، فعلاً وُصف بأشد الأوصاف صراحة في باب المخالفة.

2. ذنب نوح

دعا نوح ربه أن يكون ابنه من أهله الناجين، مع كون الابن كافراً، فقال تعالى في سورة هود: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (هود: 45). وبيّن الله له أن الابن ليس من أهله المؤمنين لأنه ﴿عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾، ثم حذّره من الجهل بقوله: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: 46). فاستجاب نوح طالباً المغفرة والرحمة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود: 47). والاستغفار، لغة واصطلاحاً، لا يُطلب إلا عن أمر يستوجبه.

3. ذنب يونس

ظنّ يونس ظناً خاطئاً بأن الله لن يُضيّق عليه، فقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنبياء: 87). واعترف يونس بنفسه بالظلم فقال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87). ووصفه القرآن في موضع آخر بقوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (الصافات: 142)، واللفظ "مليم" في اللغة يعني المستحق للوم، وهو وصف قوي يستخدمه القرآن غالباً في سياق الذم.

4. ذنوب موسى

يسجّل القرآن لموسى عدة مواقف: قتله للرجل القبطي، إذ قال تعالى في سورة القصص: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (القصص: 15)، فاعترف موسى قائلاً: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ثم: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (القصص: 16)، وفي سورة الشعراء: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (الشعراء: 20). كذلك يسجل القرآن خوف موسى عند رؤية العصا وهي تهتز: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (النمل: 10)، فقيل له: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ (النمل: 10-11). ويسجل القرآن أيضاً إمساكه بلحية هارون ورأسه غضباً، فاستغفر لنفسه ولأخيه في سورة الأعراف: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ (الأعراف: 151)، وطلبه رؤية الله ثم توبته: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: 143)، وخوفه من حبال السحرة حتى قيل له: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (طه: 68).

5. ذنب داود

ظنّ داود أن الله ابتلاه بامتحان صعب، فقال تعالى في سورة ص: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24)، فغفر الله له: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ (ص: 25).

6. ذنب سليمان

قال تعالى في سورة ص: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص: 34-35)، فسليمان هنا يستغفر عقب الفتنة ويطلب من الله ما يمحو أثرها.

7. ذنوب محمد

يخاطب القرآن محمداً في عدة مواضع بألفاظ صريحة تتعلق بالذنب والاستغفار، منها قوله في سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (الفتح: 1-2)، وقوله في سورة محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (محمد: 19)، وقوله في سورة النصر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النصر: 3).

وتُسجَّل له مواقف أخرى محددة: سماحه لبعض المنافقين بالتخلف عن الجهاد، إذ قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (التوبة: 43)؛ وإخفاؤه أمراً كان الله سيُظهره خشية الناس، إذ قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: 37)؛ وعبوسه وإعراضه عن الرجل الأعمى الذي جاءه يطلب الهدى، إذ قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (عبس: 1-2)؛ وتحريمه على نفسه ما أحلّ الله له إرضاءً لأزواجه، إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (التحريم: 1)؛ وتوجيه الله له بألا يكون خصيماً للخائنين ولا مدافعاً عنهم، إذ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (النساء: 105، 107)، مقروناً بالأمر: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: 106).

خلاصة الاستدلال

بناءً على هذه النصوص مجتمعة، يخلص هذا الطرح إلى أن القرآن نفسه، لا مصدر خارجي، هو الذي يسجّل لأنبيائه، بمن فيهم محمد، أفعالاً وصفها النص بألفاظ العصيان والظلم والغواية والذنب، مقرونة باستغفار وتوبة ومغفرة إلهية. وعليه، يرى أصحاب هذا الاستدلال أن دعوى العصمة المطلقة عن كل خطأ لا تجد سنداً في نص القرآن ذاته، وأن المسلم الذي يحتج بعصمة الأنبياء لتفنيد ما ورد في الكتاب المقدس من ذنوب الأنبياء مطالَب بتفسير هذه النصوص القرآنية أولاً.

الموقف المقابل العصمة عند علماء الكلام والتفسير المسلمين

الأمانة العلمية تقتضي عرض ما أجاب به علماء الكلام والتفسير المسلمون عن هذه النصوص بعينها عبر القرون، إذ لم يكن هذا الإشكال غائباً عن أذهانهم، بل خصصوا له مصنفات مستقلة (كـ"عصمة الأنبياء" للرازي، وفصول في كتب التفسير الكبرى كالطبري والقرطبي وابن كثير). ويمكن تلخيص أبرز أجوبتهم فيما يأتي:

1. التمييز بين الذنب الكبير والزّلة أو ترك الأولى. ذهب جمهور المتكلمين الأشاعرة والماتريدية إلى أن عصمة الأنبياء مقصورة على الكبائر وعلى الكذب في التبليغ عن الله، أما ما ورد من مثل هذه الأفعال فهو، في نظرهم، إما "زّلة" (هفوة عارضة لا إصرار فيها) أو "ترك الأولى" (اختيار المفضول مع جواز الفاضل)، لا ذنباً بالمعنى الذي يستوجب العقوبة الأخروية. وعلى هذا الأساس فسّروا حادثة آدم بأنها كانت قبل النبوة أو من قبيل الاجتهاد الذي أخطأ فيه لا معصية متعمدة بمعناها الكامل.

2. السياق اللغوي والبلاغي لكلمة "ذنب" و"استغفار". يرى بعض المفسرين أن الاستغفار الوارد في حق محمد خصوصاً (سورة الفتح، سورة النصر) لا يدل بالضرورة على وقوع معصية، بل هو تعبير عن كمال العبودية والتواضع أمام الله، إذ كان النبي يستغفر ويتوب "شكراً" لا "ندماً على ذنب"، استناداً إلى حديث "أفلا أكون عبداً شكوراً" الذي رواه البخاري ومسلم تعليقاً على كثرة قيامه رغم غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

3. حَمْل "الذنب" في حق محمد على معنى خاص. فسّر جمهور المفسرين "ما تقدم من ذنبك وما تأخر" في سورة الفتح بأنه من قبيل ترك الأولى في بعض الاجتهادات النبوية (كالإذن للمنافقين بالتخلف)، أو أنه تكريم للنبي بمغفرة سابقة ولاحقة معاً وإن لم تقع منه معصية بعينها، وهو تأويل اختاره جماعة من المفسرين تفادياً لنسبة الذنب الحقيقي إليه.

4. أن ما جرى مع نوح ومع موسى وداود وسليمان ويونس يدخل عند كثير من المفسرين في باب الاجتهاد الذي يخطئ فيه النبي أحياناً في أمور الدنيا أو فيما لم يُبلَّغ به وحياً، لا في التبليغ عن الله، وهو ما لا يمس أصل العصمة عندهم، بل هو نظير قوله في الحديث الذي رواه مسلم: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، حيث يُقرّ النبي نفسه بإمكان الخطأ في الشأن الدنيوي المحض.

5. أن بعض المتكلمين، وعلى رأسهم بعض المعتزلة والإمامية، خالفوا هذا التخريج ورأوا العصمة مطلقة حتى عن الصغائر وترك الأولى، فأوّلوا هذه الآيات ذاتها تأويلات لغوية بديلة (كتفسير "عصيان" آدم بأنه خالف أمر إرشاد لا أمر تكليف، أو أن "الذنب" في حق محمد مضاف لأمته لا له)، مما يدل على أن المسألة ذاتها كانت وما تزال موضع خلاف داخلي بين المدارس الكلامية الإسلامية نفسها، لا مسألة مجمعاً عليها بتأويل واحد.

الخلاصة:

يتبين مما تقدم أن النص القرآني يتضمن فعلاً ألفاظاً صريحة من قبيل العصيان والظلم والذنب والاستغفار في حق عدد من الأنبياء، وأن هذا ليس موضع نزاع بين الفريقين، بل موضع النزاع هو التفسير: فبينما يرى أصحاب الاستدلال المعروض في القسم الثالث أن هذه الألفاظ تنقض دعوى العصمة المطلقة، يرى جمهور المتكلمين والمفسرين المسلمين أنها تقع في دائرة "الزّلة" أو "ترك الأولى" التي لا تنافي عصمة الأنبياء عن الكبائر والكذب في التبليغ، وإن اختلفوا فيما بينهم في تفاصيل هذا التمييز وفي تطبيقه على كل حالة بعينها. والقارئ مدعو، كما في القسم السابق من هذه السلسلة، إلى الرجوع إلى المصادر الأصلية لعلم الكلام الإسلامي (كمصنفات الرازي والباقلاني والقاضي عياض في "الشفا") لتقييم مدى قوة هذا التمييز قبل ترجيح أحد الموقفين.

اترك رداً

arArabic

اكتشاف المزيد من Al-Haqiqa

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

تابع القراءة