المقدمة
يشيع بين المسلمين القول إن الإسلام "أكرم المرأة" ورفع من شأنها بعد أن كانت "لا قيمة لها" فيما يسمى بـ"الجاهلية". غير أن الفحص المباشر لعدد من النصوص الحديثية الواردة في الصحاح المعتبرة عند المسلمين أنفسهم يطرح تساؤلات جدية حول هذه الدعوى. هذه الدراسة تجمع هذه النصوص من مصادرها الأصلية، ثم تعرض ما تثيره من تساؤلات، ثم نعرض ما قاله شراح الحديث وعلماء المسلمين أنفسهم في تفسيرها وسياقها.
النصوص الواردة في الصحاح
عامة أهل النار من النساء. روى البخاري عن أسامة بن زيد، عن النبي: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين... وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء" (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها إلا بإذنه).
المرأة كالضلع الأعوج. روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: "المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج" (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب المداراة مع النساء).
المرأة والحمار يقطعان الصلاة. روى البخاري عن عائشة أنه ذُكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: "شبهتمونا بالحُمُر والكلاب" (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب من قال لا يقطع الصلاة شيء). وروى مسلم عن أبي ذر بلفظ أوضح: "يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود"، وفيه تفصيل أن "الكلب الأسود شيطان" (صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي).
ناقصات عقل ودين. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي خرج إلى المصلى في عيد فقال: "يا معشر النساء، تصدقن، فإني أُريتكن أكثر أهل النار"، فسألنه عن السبب، فقال: "تُكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن"، فسألنه عن نقصان العقل والدين، فقال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟... فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟... فذلك من نقصان دينها" (صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم).
الملائكة تلعن الممتنعة. روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح" (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة).
المرأة تُقبل وتُدبر في صورة شيطان. روى مسلم عن جابر أن النبي رأى امرأة، فأتى زوجته زينب فقضى حاجته، ثم خرج فقال لأصحابه: "إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه" (صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه).
لا صوم للمرأة إلا بإذن زوجها. روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه" (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه).
الشؤم في المرأة. روى البخاري عن ابن عمر أن النبي قال، لما ذُكر الشؤم عنده: "إن كان الشؤم في شيء، ففي الدار والمرأة والفرس" (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة).
النساء فتنة. روى البخاري عن أسامة بن زيد أن النبي قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (صحيح البخاري، كتاب النكاح، الباب نفسه).
الحمى في صورة امرأة. روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله رواية رمزية تصف "الحمى" (المرض) بأنها استأذنت على النبي في صورة امرأة تُدعى "أم مِلدَم" (مسند أحمد، مسند جابر بن عبد الله).
خلاصة الاستدلال
استناداً إلى هذه النصوص، وهي واردة في أصح كتب الحديث عند أهل السنة (البخاري ومسلم)، إن النظرة القرآنية والنبوية للمرأة، كما تنقلها هذه الروايات، بعيدة عن دعوى "الإكرام"، بل تصفها بأنها ناقصة عقلاً وديناً، وسبب فتنة وشؤم، ومصدر خطر يشبه الحيوان في قطعه للصلاة، وموضع لعنة الملائكة عند العصيان الجنسي، وأنها تشكل غالبية أهل النار، وأن هذه النصوص، بحكم صحة أسانيدها عند جمهور المحدثين، تُعدّ تحدياً مباشراً لخطاب "تكريم المرأة" الذي يشيع في الدعوة الإسلامية المعاصرة.
الموقف المقابل: قراءة شراح الحديث وعلماء المسلمين لهذه النصوص
الأمانة العلمية تقتضي عرض ما قاله شراح الحديث المعتبرون (كابن حجر العسقلاني في فتح الباري، والنووي في شرح صحيح مسلم) وعلماء المسلمين المحدثون في تفسير هذه النصوص وسياقها، وذلك من عدة زوايا:
يفسّر شراح الحديث (ابن حجر، النووي) وعلماء المسلمين المعاصرون حديث "ناقصات عقل ودين" بأنه شرح تقني قدّمه النبي نفسه: "نقصان العقل" مرتبط بقاعدة شهادة امرأتين مقام رجل واحد في المعاملات المالية (البقرة: 282)، وقد علّل القرآن هذا الحكم بأنه لتذكير إحداهما الأخرى لا بترتيب فكري بين الجنسين؛ و"نقصان الدين" مرتبط بسقوط الصلاة والصوم عن الحائض، وهو مصطلح محاسبي فقهي لا حكم إيماني، مع ملاحظة بعض العلماء أن سياق الحديث (خطبة عيد تحض على الصدقة) خطابي تحريضي لا عقدي تقريري. أما حديث "يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة" فيحمل في متنه اعتراض عائشة الصريح ("شبهتمونا بالحمر والكلاب")، ورفضه جمهور الفقهاء لاحقاً (الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية). وحديث "الشؤم" يُقرأ في ضوء حديث "لا عدوى ولا طيرة" الصريح وبعض رواياته التي تنتهي بـ"ولكن الله أذهب ذلك بالإسلام"، بوصفه حكاية لمعتقد جاهلي قائم لا تشريعاً مستقلاً. وحديث "المرأة تُقبل وتُدبر في صورة شيطان" يُفهم بوصفه توجيهاً سلوكياً لتوجيه الرغبة نحو الزوجة لا حكماً على جوهر المرأة. وتُوازَن هذه النصوص بأخرى ترفع من مكانة المرأة: حديث "أمك، أمك، أمك، ثم أبوك"، وآية وحدة الأصل الإنساني (النساء: 1)، وحق الميراث المستقل للمرأة في القرآن، وتحريم وأد البنات (التكوير: 8-9)، الذي لا برهان عليه خارج الكتب الإسلامية، فالمرآة كانت ملكة ونبية وقائدة وحبيبة قبل دخول الإسلام.
فالقراءة "التقنية" (أن نقصان العقل والدين مصطلح فقهي محاسبي لا حكم دونية) ليست القراءة الوحيدة ولا حتى الغالبة تاريخياً وعددياً بين علماء الإسلام. فمذاهب الفقه الأربعة السنية، وكذلك الفقه الجعفري، تُقرّ فعلاً إطاراً هرمياً ملزماً شرعاً بين الرجل والمرأة في مجالات محددة وواضحة: القوامة (استناداً إلى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، النساء: 34)، والولاية في الزواج، وتفاوت الشهادة، وتفاوت أنصبة الميراث، وتقييد تولي القضاء والإمامة الكبرى بالرجال عند جمهور الفقهاء الكلاسيكيين. وهذا ليس رأياً هامشياً تبنّاه شيخ شاذ هنا أو هناك، بل هو الموقف السائد عبر القرون عند الغالبية العظمى من الفقهاء والمفسرين، ولا يزال يتبناه اليوم عدد كبير من العلماء المعاصرين في مؤسسات دينية رسمية، لا فقط في خطابات متطرفة. فالتفاوت نفسه معترف به وموصوف بألفاظ صريحة كـ"القوامة" و"الفضل" في نص القرآن ذاته (﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾)، وأن كثيرين من العلماء أنفسهم لم يترددوا في وصفه بأنه تفضيل، لا مجرد اختلاف وظيفي متكافئ.
والواقع يقول عكس ذلك اليوم في كثير من المجتمعات والدول الإسلامية.
ففي أفغانستان تحت حكم طالبان هي الحالة الأوضح اليوم: لا تزال الفتيات ممنوعات من التعليم الثانوي والجامعي، والنساء ممنوعات من معظم فرص العمل ومن الحدائق والصالات الرياضية، وفي 2025 أقرّت طالبان رسمياً شرط اصطحاب "مَحرم" (ولي أمر ذكر) للمرأة عند السفر لمسافة معتبرة، ويصف تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (أغسطس 2026) هذا الوضع، بعد خمس سنوات من سيطرة طالبان، بأنه "تطبيع لإقصاء النساء والفتيات"، ويوثق تقرير هيومن رايتس ووتش المسار ذاته.
وفي السعودية قانون الأحوال الشخصية المدوَّن لعام 2022 انتقدته منظمة العفو الدولية لتكريسه أحكاماً مرتبطة بالولاية (كحق الزوج في "الطاعة" وشروط على حق الزوجة في العمل أو السفر.
تفاوت وزن شهادة المرأة (المستند إلى منطق "نقصان العقل" الكلاسيكي) لا يزال مدوَّناً في قوانين الأحوال الشخصية والمحاكم الشرعية في السعودية وعدد من دول الخليج ودول إسلامية أخرى، لكنه لا يُطبَّق بشكل موحد في كل العالم الإسلامي.
الخلاصة:
يتبين مما تقدم أن هذه النصوص الحديثية صحيحة السند عند جمهور المحدثين، وأن الخلاف الحقيقي بين الطرفين هو خلاف تفسيري: فهي تكشف نظرة دونية جوهرية للمرأة في المصدر النبوي، يرى شراح الحديث وعلماء المسلمين أن كثيراً منها مرتبط بسياق تاريخي أو اجتماعي أو خطابي محدد، وأن بعضها (كحديث قطع الصلاة) يحمل في متنه ذاته اعتراضاً من الراوية نفسها لم يُتبنَّ لاحقاً من جمهور الفقهاء، وأنه ينبغي موازنة هذه النصوص بمجمل النصوص الأخرى المكرِّمة للمرأة في المصدر الديني ذاته. والقارئ مدعو، كعادة إلى الرجوع للمصادر الأصلية (فتح الباري لابن حجر، وشرح صحيح مسلم للنووي) لتقييم قوة هذين الخطين من القراءة قبل ترجيح أحدهما.
المصادر
- صحيح البخاري، كتاب النكاح، وكتاب الصلاة، وكتاب الحيض، وكتاب بدء الخلق.
- صحيح مسلم، كتاب الصلاة، وكتاب النكاح.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني.
- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي.
- السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، لمحمد الغزالي.