المسلمون عمومًا يؤكدون أن عيسى كان يكرز بالإسلام، ومع ذلك يعتقدون غالبًا أن رسالته لم تحقق نجاحًا دائمًا حيث تعرضت للتشويه بسرعة. ومع ذلك، فإن هذا التفسير يتعارض مع الرواية القرآنية. دعونا ندرس الآيات ذات الصلة لفهم هذا المنظور بشكل أفضل.
تأكيد ونجاح دعوة يسوع في القرآن:
- "وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آل عمران ٣: ٥٠-٥٢). تشير هذه الآيات إلى أن يسوع حقق بعض النجاح في دعوته للإسلام، حيث أعلن حواريوه إيمانهم بالله وعرّفوا أنفسهم كمسلمين. ومن المثير للاهتمام أن بعض هؤلاء الحواريين – بطرس، متى، ويوحنا – هم شخصيات رئيسية في العهد الجديد. إذا كانوا بالفعل مسلمين، فلماذا يختلف لاهوتهم بشكل كبير عن القرآن؟
- "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (آل عمران ٣: ٥٥). يعد الله برفع مكانة أتباع يسوع فوق الكافرين إلى يوم القيامة. إذا كان لدى يسوع قلة من الأتباع الحقيقيين (أي المسلمين)، فسيكون من الصعب فهم هذا الوعد.
- "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ" (المائدة ٥: ١١٠-١١١). هذه الآيات تؤكد مرة أخرى أن حواريي يسوع كانوا مسلمين. ومن اللافت أن قصة خلق يسوع للطيور من الطين غير موجودة في الإنجيل لكنها تظهر في إنجيل الطفولة العربي، وهو نص أبوكريفي من القرن السادس. من المحتمل أن محمدًا كان لديه وصول إلى هذا النص، مما يشير إلى احتمال وجود اعتماد أدبي.
وراثة الكتاب واستمرارية الدين:
- "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ" (الشورى ٤٢:١٣-١٤13). تشير عبارة "الذين أورثوا الكتاب من بعدهم" إلى أولئك الذين ورثوا كتب إبراهيم وموسى ويسوع، مما يؤكد استمرارية الوحي الإلهي.
- "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" (الصف ٦١: ١٤). تشير هذه الآية إلى أن مجموعة من اليهود قبلوا تعاليم يسوع الإسلامية. ومع ذلك، فإن السجلات التاريخية لا تشير إلى تأثير دائم لهذه المجموعة. غالبًا ما يفسر المعلقون الجملة الأخيرة على أنها تشير إلى صعود المسيحية في الإمبراطورية الرومانية. ومع ذلك، فإن الشكل الذي انتصر من المسيحية تبنى معتقدات تتعارض مع التعاليم الإسلامية، مثل ألوهية المسيح وصلبه، وكلاهما ينفيه القرآن.
يقدم القرآن يسوع كنبي بشَّر بالإسلام وكان لديه أتباع اعتبروا مسلمين. ومع ذلك، فإن التباين بين لاهوت تلاميذ (حواريي) يسوع في العهد الجديد والتعاليم الإسلامية وغياب التأثير التاريخي دائم لهؤلاء الأتباع المسلمين يثير أسئلة مثيرة. يقدم تحليل هذه الآيات القرآنية نظرة معقدة تتحدى الرواية البسيطة لرسالة يسوع في القرآن.